الخطيب الشربيني

668

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وتحسرا لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي : أيها القرين بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي : ما بين المشرق والمغرب على التغليب قاله ابن جرير وغيره ، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعا له أنواع المذام فَبِئْسَ الْقَرِينُ والمخصوص بالذم محذوف أي : أنت لأنك الذي قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض قال أبو سعيد الخدري : « إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصيرا إلى النار » . وفي فاعل قوله تعالى : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ قولان أحدهما : أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها والتقدير : ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء « 1 » : ولولا كثرة الباكين حولي * على موتاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي والثاني : أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله : يا لَيْتَ بَيْنِي أي : لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم وجحدكم ، وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى : ولن ينفعكم اليوم في الآخرة إِذْ ظَلَمْتُمْ أي : أشركتم في الدنيا أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أي : لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا . تنبيه : استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى : الْيَوْمَ ظرف حالي وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل ، والظاهر أنه عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد في ظرف حالي وماض هذا مما لا يجوز ؟ أجيب : عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه لأن الحال قريب من الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [ الجن : 9 ] وقال الشاعر « 2 » : سأسعى الآن إذ بلغت أباها * وهو إقناعي وإلا فالمستقبل . يستحيل وقوعه في الحال عقلا وأما قوله تعالى : إِذْ ففيها للناس أوجه كثيرة قال ابن جني : راجعت أبا علي فيها مرارا كثيرة فآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه ، فإذ بدل من اليوم حتى كأنها مستقبلة أو كان اليوم ماض وإلى هذا نحا الزمخشري قال : وإذ بدل من اليوم ، وحمل الزمخشري على معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد ولا لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره « 3 » :

--> ( 1 ) البيتان من الوافر ، وهما في ديوان الخنساء ص 70 ( طبعة دار القلم ) ، والبيت الثاني بلا نسبة في المخصص 16 / 22 . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) عجزه : ولم تجدي من أن تقري بها بدّا والبيت من الطويل ، وهو لزائد بن صعصعة الفقعسي في حاشية الأمير على المغني 1 / 25 ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 205 ، وشرح شذور الذهب ص 440 ، وشرح شواهد المغني ص 89 .